في لحظة بدت لكثيرين مفاجئة، لكنها في الحقيقة نتاج مسار طويل، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية تعليق معالجة تأشيرات الهجرة لمواطني 75 دولة دفعة واحدة، في قرار أعاد فتح ملف الهجرة الأمريكية بكل ما يحمله من حساسية سياسية، وإنسانية، وانتخابية.
الخبر انتشر سريعًا عبر وسائل الإعلام العالمية، وجرى تداوله باعتباره إجراءً “مؤقتًا” يهدف إلى مراجعة آليات التدقيق الأمني، إلا أن القراءة المتأنية للسياق تكشف أن ما يجري أعمق من مجرد مراجعة فنية.

الهجرة، في الخطاب الأمريكي الحديث، لم تعد مسألة تنظيم إداري أو احتياج اقتصادي فقط، بل تحولت إلى أداة سياسية بامتياز، تُستخدم لإرسال رسائل إلى الداخل قبل الخارج. ومن هنا، فإن تعليق تأشيرات الهجرة لا يمكن فصله عن المناخ العام الذي أعاد إلى الواجهة سياسات التشدد، والفرز، وإعادة تعريف “من يستحق الدخول”.
هذا التقرير لا يكتفي بسرد القرار، بل يحاول تفكيكه:
كيف وصلنا إلى هنا؟
ما الذي تغيّر عن القرارات السابقة؟
ولماذا يبدو اللوتري اليوم في أضعف مراحله منذ إنشائه؟
أولًا: ما الذي حدث رسميًا؟
بحسب بيان وزارة الخارجية، قررت الولايات المتحدة:
-
تعليق استقبال ومعالجة تأشيرات الهجرة (Immigrant Visas)
-
القرار يشمل التأشيرات المؤدية إلى الإقامة الدائمة (Green Card)
-
التنفيذ يبدأ نهاية يناير 2026
-
دون تحديد موعد واضح لانتهاء التعليق
القرار لا يشمل نظريًا جميع التأشيرات غير المهاجرة (السياحة، الدراسة، الزيارات القصيرة)، لكنه يفتح الباب أمام تشدد لاحق، خاصة في السفارات الواقعة داخل الدول المشمولة.
ثانيًا: لماذا هذا القرار مختلف عن أي قرار سابق؟
لأن هذه المرة:
-
العدد كبير (75 دولة دفعة واحدة)
-
القرار شامل للهجرة وليس لفئة محددة
-
لا توجد مهلة زمنية واضحة
-
التبرير أمني + اقتصادي + إداري في آن واحد
وهذا أخطر ما في الأمر: عندما تتعدد المبررات، فهذا يعني أن القرار سياسي بامتياز.
ثالثًا: الخلفية الحقيقية… القرار لم يولد اليوم
من الخطأ قراءة ما حدث بمعزل عن تاريخ طويل من سياسات الهجرة المتشددة، خصوصًا خلال فترات صعود التيار الشعبوي في الولايات المتحدة.
منذ ولايته الأولى، تبنّى ترامب فلسفة واضحة:
“أمريكا لا تحتاج مهاجرين أكثر، بل تحتاج مهاجرين مختارين بعناية”.
ترجمت هذه الفلسفة إلى:
-
حظر سفر على دول معينة
-
تقليص لمّ الشمل
-
تشديد تعريف “العبء العام”
-
تعليق قبول اللاجئين
-
هجوم مباشر على برامج الهجرة العشوائية
وبالتالي، فإن قرار اليوم بالنسبة لترامب ليس انحرافًا عن المسار، بل عودة صريحة إليه.
رابعًا: ما هي الدول المشمولة بقرار تعليق تأشيرات الهجرة؟
الدول العربية
مصر، العراق، سوريا، اليمن، لبنان، الجزائر، تونس، المغرب، ليبيا، السودان، الصومال.
الدول الأفريقية (غير العربية)
الكاميرون، الرأس الأخضر، ساحل العاج، جمهورية الكونغو الديمقراطية، جمهورية الكونغو، إريتريا، إثيوبيا، غامبيا، غانا، غينيا، ليبيريا، نيجيريا، رواندا، السنغال، سيراليون، تنزانيا، توغو، أوغندا، جنوب السودان.
الدول الآسيوية (غير العربية)
أفغانستان، أرمينيا، أذربيجان، بنغلادش، بوتان، ميانمار (بورما)، كمبوديا، جورجيا، كازاخستان، قيرغيزستان، لاوس، منغوليا، نيبال، باكستان، تايلاند، أوزبكستان، إيران.
أوروبا
ألبانيا، بيلاروسيا، البوسنة والهرسك، كوسوفو، مقدونيا الشمالية، مولدوفا،الجبل الأسود، روسيا.
أمريكا الشمالية والبحر الكاريبي
أنتيغوا وبربودا، باهاماس، بربادوس، بليز، كوبا، دومينيكا، غرينادا، غواتيمالا، هايتي، جامايكا، نيكاراغوا، سانت كيتس ونيفيس، سانت لوسيا، سانت فنسنت وجزر غرينادين.
أمريكا الجنوبية
البرازيل، كولومبيا، أوروغواي، فنزويلا.
خامسًا: لماذا 75 دولة تحديدًا؟
وفق تقارير إعلامية وتسريبات رسمية، الدول المشمولة تشترك في عوامل مثل:
-
ضعف تبادل البيانات الأمنية
-
سجلات مدنية غير مكتملة
-
ارتفاع نسب تجاوز الإقامة
-
نسب لجوء مرتفعة
-
صعوبات في التحقق من الخلفيات الجنائية
لكن خلف هذه الأسباب التقنية، يوجد سبب أعمق: الرغبة في تقليل الهجرة القادمة من دول الجنوب العالمي.
سادسًا: أين يقف اللوتري من كل هذا؟
برنامج Diversity Visa Lottery (الهجرة العشوائية) هو الضحية غير المُعلنة لهذا القرار.
اللوتري يعتمد بالكامل على:
-
تأشيرات هجرة
-
موافقات قنصلية
-
إجراءات أمنية مطولة
وعندما تُعلَّق تأشيرات الهجرة:
-
الفائز لا يستطيع استكمال ملفه
-
السفارة لا تعالج الطلب
-
القبول يصبح بلا قيمة عملية
سبق أن حدث هذا السيناريو:
-
فائزون انتظروا سنوات
-
ملفات انتهت صلاحيتها
-
أحكام قضائية لم تُنفَّذ فعليًا
وبالتالي، فإن القرار الحالي قد يكون الضربة الأقوى للوتري منذ إنشائه، حتى دون إعلان رسمي بإلغائه.
سابعًا: لماذا لم يلغ اللوتري صراحة؟
لسبب بسيط: الإلغاء الصريح يفتح أبوابًا قانونية وسياسية معقّدة.
لكن:
-
تعليق المعالجة
-
تأخير الملفات
-
تشديد الفحص
-
تقليص الحصص
كلها أدوات تؤدي إلى النتيجة نفسها دون إعلانها.
ثامنًا: البعد السياسي… من يخاطب القرار؟
القرار موجّه بالأساس إلى:
-
الناخب الأمريكي القلق من الهجرة
-
الطبقة الوسطى المتأثرة اقتصاديًا
-
التيار المحافظ المؤيد لتشديد الحدود
وفي هذا السياق، تصبح الهجرة ورقة انتخابية لا ملفًا إنسانيًا.
تاسعًا: هل القرار مؤقت فعلًا؟
تجارب سابقة تقول: “المؤقت في الهجرة الأمريكية قد يصبح دائمًا”.
كثير من القيود التي بدأت كمراجعات:
-
استمرت سنوات
-
تحولت إلى قواعد
-
لم تُرفع إلا جزئيًا
لذلك، لا يوجد ما يضمن:
-
عودة المعالجة قريبًا
-
أو إنصاف الملفات المعلقة
عاشرًا: التأثير المباشر على الأفراد
بالنسبة للراغبين في الهجرة:
-
ملفاتهم دخلت نفقًا ضبابيًا
-
الخطط العائلية تعطلت
-
الفرص الزمنية ضاعت
وبالنسبة للفائزين باللوتري:
-
القبول لم يعد ضمانًا
-
الانتظار قد يعني ضياع الفرصة نهائيًا
الحادي عشر: ماذا بعد؟
السيناريوهات المحتملة:
-
رفع جزئي للقرار بعد مراجعات طويلة
-
استثناءات محدودة (نادرة جدًا)
-
استمرار التعليق مع تشديد إضافي
-
تقليص رسمي أو غير رسمي لبرنامج اللوتري
لكن المؤكد أن: الهجرة إلى الولايات المتحدة تدخل مرحلة هي الأصعب منذ سنوات طويلة.
الخلاصة الموسَّعة
قرار تعليق تأشيرات الهجرة لـ75 دولة لا يمكن اختزاله في بيان رسمي أو تصريح إعلامي. نحن أمام تحول عميق في فلسفة الهجرة الأمريكية، يعيد تعريف من يُسمح له بالحلم الأمريكي، ومن يُطلب منه الانتظار إلى أجل غير معلوم.
أما اللوتري، الذي مثّل لعقود نافذة أمل لملايين، فهو اليوم في أكثر مراحله هشاشة: لا إلغاء صريح… لكن تضييق ممنهج، وتأخير قاتل، وغموض مقصود.
الهجرة إلى الولايات المتحدة لم تُغلق بالكامل، لكنها لم تعد كما كانت. ومن لا يقرأ هذه التحولات بوعي، قد يدفع ثمن الانتظار طويلًا… بلا نتيجة.


اترك تعليقاً